مقالات صحفية

هل الاكتفاء الذاتى يقترب؟ ثورة زراعية بمشاركة خبراء صينيين لزراعة القمح والذرة فى الأجواء الجافة بمصر

الكاتب الصحفي  : دندراوي الهواري

ربما جل اهتمام المجتمع الدولى منصبا على تجربة الصين الصناعية والتكنولوجية، متناسين، سواء عن عمد، أو عدم اهتمام، الطفرة التاريخية المذهلة فى الزراعة، التى تعد بمثابة ثورة كبرى، مكنت الصين من تصدر قمة الإنتاج العالمى للحبوب، فقد أصبحت بلد المليار و٤٠٠ مليون مواطن، أكبر منتج للقمح فى العالم، بحجم إنتاج يتجاوز ١٤٠ مليون طن، وثانى أكبر منتج للذرة فى العالم، بحجم إنتاج يتجاوز ٣٠٠ مليون طن.

وهنا يقفز السؤال الثقيل المغلف بالدهشة المفرطة: ما السر وراء هذه الطفرة المبهرة فى حجم الإنتاج؟ والإجابة تكمن فى المعادلة ذات العناصر الثلاثة وهى «التكنولوجيا الحيوية الفائقة، والزراعة الذكية، والسياسة الحكومية الصارمة لحماية التربة».

الصين وضعت مبدأ مهم مفاده «أمن الحبوب يبدأ من سيادة البذور»، ولذلك أحدثت طفرة مدهشة فى التكنولوجيا الحيوية، وحققت استقلالية فى بذور القمح بنسبة تجاوزت الـ ٩٠٪؜، مع تعديل فى الجينات، كما تمكنت من تطوير سلالات مقاومة للأمراض الفطرية الشائعة، لدرجة أنها أرسلت بذور القمح والذرة إلى الفضاء لتعريضها للأشعة الكونية، وعند إعادتها للأرض، تمكنت من إنتاج سلالات تنمو بسرعة فائقة، وتتحمل الظروف المناخية القاسية.

كما نجح الصينيون فى إنتاج ذرة عالية البروتين ومقاومة للملوحة، وتقلل الحاجة للأسمدة الكيماوية وتتحمل التربة الملحية والقلوية.

العامل الأهم، أن الصينيين، وفى ظل محدودية مساحات الأراضى الصالحة للزراعة، مقارنة بعدد السكان، ركزوا على زيادة إنتاجية المتر المربع الواحد، ما أدى إلى زيادة النباتات فى المتر من ٣ إلى٥  واستخدموا الرى بالتنقيط والذكاء الاصطناعى، ثم اعتماد نظام الزراعة المتداخلة، مثل زراعة القمح والذرة وفول الصويا، معا، وفى نفس الحقل بتناوب شريطى، وهو النظام الذى يحمى التربة من الإنهاك، وزيادة الإنتاج.

وبما أن هناك اهتماما كبيرا فى مصر بملف الزراعة وتطويره، فقد عقدت اتفاقيات تعاون ضخمة فى هذا المجال مع الجانب الصينى، للاستفادة من حجم التطور المذهل للزراعة الصينية، تكنولوجيا، ونقلها إلى مصر، لمواجهة الجفاف وندرة المياه وارتفاع تكلفة الإنتاج، خصوصا فى المحاصيل الاستراتيجية التى تمس الأمن الغذائى مباشرة، وفى مقدمتها القمح والذرة.

الحقيقة أن هذا التعاون بدأ منذ فترة، فى البحث العلمى الزراعى وتطوير الأصناف وإدارة الموارد الطبيعية والزراعة الذكية، ففى أغسطس ٢٠٢٥، على وجه التحديد، استقبل مركز البحوث الزراعية فى مصر، وفدا رفيع المستوى من مركز أبحاث الزراعة البيئية والجغرافية فى شمال شرق الصين، وناقش الجانبان التعاون فى تطوير محاصيل تتحمل الظروف المناخية الصعبة، مع التركيز على الأرز والذرة وفول الصويا، إلى جانب بحوث التربة والمياه والاستشعار عن بعد، كما طُرحت إمكانية إطلاق مشروعات بحثية مشتركة وتبادل الباحثين والخبراء.

هذه التفاصيل تكتسب أهمية استثنائية إذا وضعناها فى سياق التحدى المصرى، فمصر تتخذ من العلم والتقدم التكنولوجى مسارا جوهريا لتطوير الزراعة، متكئة على حقيقة أن زيادة المساحة المزروعة وحدها لا يمكن أن تكون الحل النهائى، وإنما المعركة الحقيقية فى التوصل لمعادلة أن تنتج الأرض المصرية كميات أكبر من المحصول باستخدام كميات أقل من المياه، وأن تصبح الأصناف الزراعية أكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف والملوحة.

انطلاقا من هذه الرغبة الجادة، تأتى قيمة التجربة الصينية المبهرة، وكيف تستفيد مصر من هذه التجربة التى جعلت من الصين، خلال فترة وجيزة، واحدة من أهم الدول فى العالم فى الإنتاج الزراعى، وكيف وظفت التكنولوجيا الزراعية إلى أحد أبرز محركات زيادة الإنتاج، فالعام الماضى ٢٠٢٥ تمكنت الصين من إنتاج ٧٠٠ مليون طن من الحبوب، للمرة الأولى فى تاريخها، بحسب بيانات مكتب الإحصاء الوطنى الصينى، وأثبتت أن الأهم من حجم الإنتاج هى الطريقة التى وصلت بها بكين إلى هذه النتائج فى ظل المعاناة من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه.

وبجانب كل هذا التقدم المذهل للقطاع الزراعى فى الصين، وانعكاسه على التعاون مع مصر، إلا أن هناك عاملا جوهريا يساهم فى نجاح هذا التعاون، والمتمثل فى التشابه الشديد بين العوامل المناخية والتربة ونقص المياه، وتأسيسا على ذلك، فإن نقل التجربة الصينية إلى مصر لا يعنى ببساطة نقل بذور صينية وزراعتها فى الأراضى المصرية فحسب، وإنما بناء منظومة متكاملة تبدأ من اختيار الصنف المناسب للبيئة المصرية، ثم اختبار التربة والمياه، وتحديد أفضل مواعيد الزراعة، وتطوير نظم الرى والتسميد، واستخدام البيانات والاستشعار عن بعد، وصولا إلى الميكنة والحصاد والتخزين.

نعود لطرح الأسئلة، ومنها سؤال مهم: هل التعاون الذى بدأ بين البلدين منذ فترة أتى ثماره؟ الإجابة بوضوح: نعم، فالأرقام تُظهر أن هناك تقدما فى قطاع الزراعة المصرى بالفعل، خاصة فى القمح.

هناك فرصة هائلة لزيادة إنتاج الذرة بعد التعاون مع الصين، فالتقديرات الأمريكية تشير إلى أن إنتاج مصر من الذرة قد يصل إلى نحو 7 ملايين طن فى موسم ٢٠٢٦ و٢٠٢٧، ورغم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ما زالت كبيرة، فإن هذا التعاون شديد الأهمية، سيقلل الفجوة بشكل كبير، وربما يقترب إنتاج مصر من الحبوب إلى الاكتفاء الذاتى، فى ظل وجود مؤشرات قوية حول اهتمام الدولة، والكيانات الكبيرة التى تساهم فى إدارة الملف، مثل جهاز مستقبل مصر، وزيادة التعاون فى هذا الصدد.

فلسفة التعاون الزراعى بين القاهرة وبكين تكمن فى أن الصين لن تزرع القمح والذرة بدلا من المصريين، وإنما التكنولوجيا الصينية تساعد مصر فى جعل الأرض المصرية أكثر إنتاجا وأقل استهلاكا للمياه وأكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ.

وإذا نجحت مصر والصين فى تحويل التعاون البحثى الحالى إلى برامج تطبيقية واسعة، سيكون إنجازا حقيقيا نحو تأسيس نموذج جديد للزراعة المصرية، يعتمد على العلم والتكنولوجيا جنبا إلى جنب مع الاعتماد على زيادة المساحات.

الآمال معلقة على أن تصبح الشراكة المصرية الصينية واحدة من أكثر الشراكات أهمية فى السنوات المقبلة، لأن المعركة ليست فقط من أجل رغيف الخبز أو طن الذرة، وإنما من أجل بناء قدرة مصرية مستدامة على إنتاج غذائها فى ظروف مناخية ومائية أكثر صعوبة، وتقلل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتقترب خطوات نحو الاكتفاء الذاتى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى