مقالات صحفية

القاهرة تورتة الأطماع .. من نبوءة التأسيس إلى مواجهة المخاطر الوجودية

 

القاهرة تورتة الأطماع .. من نبوءة التأسيس إلى مواجهة المخاطر الوجودية

الكاتب الصحفي  : دندراوي الهواري

اسم القاهرة لم يكن مجرد اسم جغرافى أطلق على مدينة شُيدت على ضفاف نهر النيل، وإنما حمل منذ نشأته دلالة لغوية تستحضر الغلبة والقدرة على إخضاع الخصوم، فالقاهرة، فى معناها العربى، هى الغالبة والظافرة، وهو معنى اكتسب عبر القرون أبعادا تاريخية ورمزية، ارتبطت بعاصمة مصر التى تعاقبت عليها الدول والإمبراطوريات، وتحولت إلى مركز سياسى وحضارى ظل حاضرا فى معادلات منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وتسرد المصادر التاريخية أن المدينة عُرفت فى بداية تأسيسها باسم «المنصورية» قبل أن يُستقر على اسم القاهرة، بينما ارتبطت رواية أخرى بتطلع الفاطميين إلى أن تكون عاصمتهم قاهرة للخصوم، وهناك سردية شهيرة تتحدث عن «غراب» هبط على حبل عُلقت به أجراس لتحديد موعد بدء عملية بناء أسوار القاهرة، فأطلق رنينها قبل اللحظة التى اختارها المنجمون، وحين نظروا إلى السماء وجدوا كوكب المريخ فى موضع اعتبروه طالعا «قاهرا» فربطوا ذلك باسم المدينة ومصيرها، وهى سردية ذات دلالة رمزية فى التراث الشعبى، لكن لا يوجد دليل تاريخى سجل هذه الواقعة ووثقها، لذلك تبقى من بين السرديات الشعبية المتناقلة.

وبعيدا عن حقيقة هذه الروايات من عدمها، فإن القاهرة لم تكتسب مكانتها العظيمة عبر التاريخ بسبب اسمها وحده، وإنما بما تمتلكه مصر من مقومات جغرافية وبشرية وحضارية، وبما شهدته من تحولات سياسية وعسكرية، فالقاهرة صارت عاصمة شاهدة على أحداث وتحولات تاريخية عظيمة الأثر، ثم مركزا للحكم فى العصور اللاحقة، وشهدت مصر فى العصر المملوكى مواجهات كبرى، كان من أبرزها معركة عين جالوت عام ١٢٦٠، التى قُهر فيها الجيش المغولى على يد المماليك، فى واقعة كان لها أثر مهم فى مسار التوسع المغولى غربا.

وانطلاقا من هذه الحقائق التاريخية، فإن الحديث عن القاهرة بوصفها قاهرة الأعداء لا يستقيم باعتباره أسطورة سحرية تضمن الانتصار لكل من يحمل اسمها، بل بوصفه تعبيرا عن ذاكرة تاريخية تستمد قوتها من قدرة الدولة المصرية على حماية مصالحها، وإدارة صراعاتها، وتوظيف قدراتها ومقوماتها وموقعها الجغرافى.

وفى ظل العواصف والزلازل المدمرة التى من صنع البشر والمتعلقة بالأطماع ومحاولات السيطرة والاحتلال، كانت القاهرة واقفة عصية على تفتيت كل هذه المؤامرات، وصامدة أمام كل الزلازل، ومنذ ٢٠١١ ووقوع زلازل يناير المدمرة والتى لم تشهد لها مصر مثيلا عبر تاريخها الطويل، بما فيها غزوات التتار واجتياحهم لكل الدول العربية والإسلامية، وحتى الحملات الصليبية المتتالية، والعدوان الثلاثى، كان بالإمكان مواجهتها ودحرها، إلا أن أعداء اليوم كُثر، وتبرز خطورتهم أن لهم ظهير قوى فى الداخل متمثل فى جماعة الإخوان الإرهابية وذيولها.

بجانب أن الزلازل المدمرة تضرب فى كل الاتجاهات، جنوبا وشمالا وشرقا وغربا، وصولا إلى أبعد النقاط الجغرافية المؤثرة فى الأمن القومى المصرى والعربى، وصار التهديد مختلف ومتعدد ومتصاعد، ما بين تهديدات الأطماع فى المقدرات، أو أن تكون مصر حديقة خلفية لحل مشاكل الغير، إدراكا أن القاهرة «التورتة» التى إذا ما تمكن عدو من النيل منها، سيحكم الشرق، ويتحكم فى مفاتيح المنطقة، وسيخضع له كل دول الإقليم دون استثناء.

لذلك محاولات إشعال النار، فى كل المحاور الاستراتيجية، من أقصى نقطة فى القرن الأفريقى، للتحكم فى المياه، إلى البحر الأحمر، وأهميته الاستراتيجية، والتحكم فى الممرات الاستراتيجية، أو ثروات منطقة شرق المتوسط.

القرن الأفريقى، على سبيل المثال، ليست مجرد مساحة بعيدة عن القاهرة، وإنما ترتبط بأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، وأمن الملاحة، والتوازنات السياسية والعسكرية المحيطة بحوض النيل، وتمنح هذه الجغرافيا مصر مصالح استراتيجية تتطلب متابعة دقيقة للتحولات التى تشهدها دول المنطقة، من دون اختزال تعقيداتها فى معادلة تبسيط مخلة، مع رفع منسوب الوعى لإدراك خطورة المخططات وتحديد هوية الأعداء والأصدقاء بدقة.

ولعل الدرس الأبرز فى تاريخ القاهرة، هو أن المدن العظيمة لا تصنع مجدها لمجرد ما تحمله من أسماء، بل بما تمثله من قدرة على الاستمرار، ورغم تعاقب الحروب عليها والأزمات الكبرى، ظلت مصر تحتفظ بموقعها الجغرافى والحضارى الذى يمنحها وزنا إقليميا لا يمكن تجاهله.

وهكذا تبقى القاهرة قاهرة فى الذاكرة والتاريخ والرمزية، وأنها عاصمة دولة تمتلك تاريخا طويلا، ومصالح حيوية، وقدرة على التأثير فى محيطها، ومجابهة كل المخاطر بتماسك شعبها والالتفاف حول جيشها، واستئصال أورام الجماعات والتنظيمات، السرطانية التى تسكن أحشائها، وعلى رأسها جماعة الإخوان الخائنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى