عندما أتصفح الفيسبوك أو تويتر أقابل الكثير و الكثير من الموضوعات و التدوينات التي تأخذني و يأخذني سلاسة أسلوب كاتبها أو مدونها و تشعر و أنت تقرأ أنك نفسك تقول الكلام اللي بيقوله فقررت أن أخصص في موقعنا شعب مصر باباً للتدوينات الحرة لكل من يُحب أن يكتب في موضوع يُفيد المصريين أو يُنعش ذاكرتهم أو يُحيي ذكريات الماضي الجميلة أو يُعطيهم نصيحة مفيدة.
لم تكن عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي حدثًا أمنيًا معزولًا بل لحظة فاصلة في مسار دولة تعيش على أنقاض حكم طويل قائم على الفوضى المقننة والشو السياسي ،، الطلقة التي أنهت حياته لم تطلق فقط على شخص بل أطلقت على مشروع عودة رمزية لنظام لم يغادر المشهد فعليًا منذ 2011.
من نفّذ العملية؟ قراءة في خريطة المصالح لا في بيان الاغتيال
وفق المعطيات السياسية لا يبدو أن الاغتيال كان عملًا انتقاميًا فرديًا أو حادثًا عشوائيًا فالمستفيد الأكبر هو تحالف غير معلن من ثلاث دوائر:-
أولًا:- شبكات النفوذ المسلحة غرب ليبيا،، و هذه المجموعات ترى في سيف الإسلام تهديدًا مباشرًا لإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر استقطاب قواعد اجتماعية ما زالت مرتبطة بإرث الدولة المركزية القديمة.
ثانيًا:- أطراف سياسية تخشى إعادة تدوير النظام السابق ،، فوجوده كان يمثل ورقة ضغط شعبوية يمكن أن تعيد خلط الأوراق الانتخابية لذلك كان التخلص منه أسهل من مواجهته سياسيًا.
ثالثًا:- أطراف خارجية تفضل ان تظل ليبيا ضعيفة ومفتوحة ،، الدولة المستقرة تعني نهاية اقتصاد الفوضى و تهريب السلاح و الهجرة غير الشرعية و عقود إعادة الإعمار غير المنضبطة،، اغتياله يخدم إبقاء المشهد في حالة سيولة لتحقيق الفوضى الغير خلاقة .
العملية في جوهرها ليست أمنية بل استراتيجية هدفها تثبيت واقع الانقسام ومنع ظهور رمز جامع حتى لو كان جدليًا.
حكومتان و دولتان ومستقبل سياسي معلق في سراب الوهم
ليبيا اليوم ليست دولة واحدة بل إدارتان تتقاسمان الجغرافيا والشرعية:-
حكومة في الغرب تحتمي بشرعية دولية هشة.
سلطة في الشرق تعتمد على القوة العسكرية والقبائل.
اغتيال سيف الإسلام عمّق هذا الانقسام بدل أن يحسمه لأنه أزال شخصية كانت تمثل خيارًا ثالثًا خارج ثنائية الشرق والغرب لتكون النتيجة المتوقعة:-
تأجيل أي انتخابات حقيقية وتمديد الآمر السياسي الواقع.
تعميق عسكرة السياسة و تصاعد منطق المليشيات بدل المؤسسات.
ببساطة الاغتيال لم يفتح باب الاستقرار بل أغلق نافذة كان يمكن أن تعيد تشكيل المشهد بطريقة مختلفة.
الانعكاس الإقليمي: ليبيا بوابة النار المفتوحة
أي اضطراب في ليبيا لا يبقى داخل حدودها ولذلك التأثير المباشر يمتد إلى الآتي :-
الساحل الإفريقي،، تدفق السلاح يعزز نشاط الجماعات المتطرفة في مالي والنيجر وتشاد.
شمال إفريقيا،، زيادة تهريب البشر والسلاح نحو تونس والجزائر.
شرق المتوسط،، فوضى الطاقة والهجرة غير الشرعية تتحول إلى أدوات ابتزاز سياسي.
اغتيال شخصية بحجم سيف الإسلام يعيد خلط أوراق الأمن الإقليمي ويمنح المنظمات الإرهابية العابرة للحدود مساحة حركة أوسع.
الجذر الحقيقي للأزمة: أربعة عقود من الحكم المختل
الحديث عن الاغتيال دون العودة إلى جذور الأزمة هو تضليل وتدليس فما تعيشه ليبيا اليوم ليس نتيجة 2011 فقط بل نتيجة أربعين عامًا من حكم قائم على القذافي المختل نفسياً :-
هوس بالظهور الإعلامي.
إنفاق المليارات على مغامرات خارجية و دعم تنظيمات مسلحة تحت شعار الثورية.
إدارة الدولة بعقلية المسرح السياسي المهووس لا بعقلية المؤسسات الوطنية .
ومثال على ذلك كان تفجير طائرة لوكيربي،، فهو لم يكن حادثًا معزولًا بل نموذجًا لسياسة تصدير الفوضى ،، تمويل حملات سياسية لدعم ساركوزي بالمليارات من أموال الشعب الليبي كان ذروة العبث السياسي الذي انتهى بتوقيع ساركوزي بنفسه على شهادة النهاية لنظام القذافي بصفته وشخصه ،، فالنظام لم يُسقط فقط بالقوة العسكرية بل انهار داخليًا بسبب خلل بنيوي في العقل السياسي الذي حكم ليبيا بأهواء مختله نفسياً.
ماذا لو كان اختار طريق الدولة بدل المجد الشخصي
التاريخ لا يرحم الفرص الضائعة،، فلو أن تلك المليارات التي أنفقت على الهوى و الشو السياسي المخبول و تم انفاقها على (بناء مؤسسات – تأسيس جيش وطني محترف – تعليم حديث – بنية تحتية مستقلة) لكانت ليبيا اليوم دولة متماسكة تستمد شرعيتها من إرث عمر المختار لا من دماء الانقسامات و بدل ذلك تم توريث شعب بلا ثقافة سياسية بلا مؤسسات بلا دولة حقيقية فكان طبيعيًا أن يسقط الأب ثم الابن تحت نيران شعب تم تجريده عمداً مع سبق الاصرار من أدوات الوعي السياسي فتحول الي شعب مغيب .
أخيراً
اغتيال شخص أم دفن وهم؟
اغتيال سيف الإسلام ليس نهاية فصل فقط بل دفن وهم العودة إلى الوراء فليبيا لن تُنقذها عائلة ولا جنرال ولا حكومة موازية ،، بل ستنقذها فقط دولة يتم بنائها من الصفر على أنقاض أربعين عامًا من العبث والخلل النفسي.
البكاء على القذافي ونجله هو بكاء على ماضي صنع المأساة ،، والسؤال الحقيقي ليس من قتل سيف الإسلام بل متى يقرر الليبيون قتل عقلية الفوضى نفسها وغلق ابواب المصحة النفسيه التي حكمت الدولة الليبيه اربعه عقود متواصله دون اي انجاز حقيقي يذكر .