الكاتب الصحفي : دندراوي الهواري
ربما يعتقد البعض من الذين لا يروق لهم قراءة التاريخ، أو خارج اهتماماتهم، أن تهديدات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بضم كندا لبلاده واعتبارها الولاية ٥١ هى الأولى من نوعها، بينما الحقيقة أنها المرة الثامنة تقريبا طوال ٢٥٠ سنة بالتمام والكمال، شهدت فيها محاولات أمريكية حثيثة للسيطرة على كندا عسكريا، تأسيسا على قناعة عدد كبير من الشخصيات السياسية الأمريكية فى السنوات الأولى للولايات المتحدة، بضرورة غزو كندا، ولكن المحاولات السبع باءت بالفشل لأسباب متعددة ومختلفة.
الجديد فى الأمر أن تهديدات ترامب تأتى فى الوقت الذى اعتقد فيه الجميع أن فكرة الاستعمار القديم والاستيلاء على مقدرات الدول عسكريا قد ولى زمانها، وأن الاستعمار الجديد هو استعمار اقتصادى، وفكرى، إلا أن الأحداث فى منطقة الشرق الأوسط، ثم قدوم ترامب من جديد للبيت الأبيض، أكدت أن الاستعمار ومحاولات «غزو» الدول عسكريا وإحياء مشاريع توسعية، ما زالت براقة وحاضرة ولا تموت
إصرار وثقة الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب، على تكرار التهديد بضم كندا لتصبح الولاية رقم ٥١ تتكئ على طلب بعض الساسة الكنديين، وكالعادة لا يوجد دولة على ظهر الكوكب لا تضم عددا من الذين يغردون خارج السرب، سواء كانوا ينتمون لأفكار أو جماعات أو أحزاب صغيرة غير مؤثرة، وأن هؤلاء الساسة الكنديين أرسلوا طلبا لترامب يعبرون فيها عن دعمهم لقرار الضم.
البداية انطلقت فى عام ١٧٧٥ عندما قرر الثوار الأمريكيون غزو كندا، والتى كانت خاضعة لولاية بريطانيا العظمى، إلا أن هذه الحملة باءت بالفشل، ثم عادت من جديد عام ١٧٧٦ولاقت نفس المصير!
وبعد ٣٦ سنة، وتحديدا فى عام ١٨١٢ كرر الأمريكيون محاولة غزو كندا وضمها، ولكن تصدى لهم الشعب الكندى وبدعم من البريطانيين، تمكنوا من إحباط الخطة، وعاد الأمريكان يجرون أذيال الخيبة والفشل!عاودوا الكرة من جديد عام ١٨٣٧ وفشلوا، ثم عام ١٨٣٨ وفشلوا، أيضا، والغريب أن من تصدى لهم مقاطعة «أونتاريو» التى هددت مؤخرا بقطع الكهرباء عن أمريكا، ورفع رسوم عالية على تصدير الكهرباء لعدد من الولايات الأمريكية، وهو التهديد الذى أشعل نار غضب دونالد ترامب، وهدد برفع الرسوم الجمركية على الألومنيوم والحديد الكندى إلى ٥٠٪ ..
وفى الفترة ما بين ١٨٦١ و١٨٦٦ حاولت أمريكا ضم كندا مرتين، وفشلت أيضا. وبعد هذه السلسلة من الفشل الأمريكى لضم كندا، قررت الولايات المتحدة الأمريكية التسليم بالأمر الواقع، والاعتراف بكندا دولة جديدة ذات سيادة، وذلك فى معاهدة واشنطن عام ١٨٧١مع بريطانيا، وهى المعاهدة التى وضعت حدا لفكرة ضم كندا للولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن أمريكا فى عام ١٩٢٧ وفى ظل تصاعد الحرب الأمريكية مع بريطانيا، قررت أن تضع خطة عسكرية قوية لغزو بعض المقاطعات الكندية، وضربها بالغاز السام، وقطع الكابلات البحرية البريطانية، إلا أن الأمريكان تراجعوا عن تنفيذ هذه الخطة، فجأة.
وقبل وضع خطة ١٩٢٧لضرب بعض المقاطعات الكندية نكاية فى بريطانيا، كان هناك مقال مهم أحدث ضجيجا حينها، كتبه الصحفى البريطانى الشهير بقدرته على إجراء التحقيقات الصحفية المهمة، وليام توماس ستيد عام ١٩٠١ وقبل وفاته بـ١١ سنة، وحمل عنوانه «أمركة العالم.. الضم المحتمل لكندا ونيوفندلاند» كشف فيه أن كندا ستظل مطمعا لأمريكا، بسبب حجمها وقوتها وثرواتها الاقتصادية، متوقعا انضمامها حتميا فى نهاية المطاف.
الشاهد من هذا السرد المبسط للغاية، أن فكرة المشاريع الاستعمارية القديمة، لا تموت، ودائما ما تقفز على السطح بين فترة وأخرى، والعالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط، على وجه التحديد، مشحونان بأفكار المشروعات الاستعمارية القديمة، وستظل قائمة منتظرة الفرصة للتنفيذ!
تدوينات حرة : طفلة لم تُستقبل بأى زغرودة .. إنها غنيمة خليل علي .. الشهيرة بمديحة يسري