من وقت ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والناس بدأت تتغير طريقة نظرتها للامور وخصوصا نظرتها للأخرين! وردود افعالها اختلفت بشكل عام على مختلف المواضيع. في اللي استغل السوشيال ميديا في اظهار افضل ما عنده وفي اللي استغلها في استثمار اسوء ما فيه وللاسف اصبح في جمهور بيصفق للاسفاف زي ما في جمهور بيرفضه!
هو ايه الشطارة في ان الانسان يستعرض طولة لسانه وامكانياته اللغوية في السخرية وتخطي حدود لباقة الكلام في العالم الافتراضي اللي محدش شايفه ولا عارف امكانياته على الواقع ولا هيحاسبه، اساسا محدش عارف اذا كان انسان ولا روبوت؟!
انت في عالم انت اللي بترسم فيه شكل لنفسك اللي انت حابب الناس تشوفك بيه؛ انت اللي بتولد نفسك وتختار اسمك وصورتك ولغتك وكيانك اللي حابب الناس تشوفك عليها، ايه الدافع من اصرارك على ان الناس تشوف منك قوة “قلة الادب” اللي مفيش عليها اي دليل؟
الفنّان أحمد السقا
الفنان احمد السقا حكى عن أحد المتابعين اللي كان مستلمه شتيمة وسب على المواقع ليل ونهار بدون اي سبب او سابق معرفة، لحد ما قرر انه هيروح لهذا المتابع لباب بيته. وبالفعل قدر يوصل لعنوان هذا الشخص وراح خبط عليه في اوضته اللي فوق السطوح. ولما الشاب فتح الباب ولقى احمد السقا في وشه ، أغمي عليه من الخضة!
الموقف دا يبين لك اد ايه الناس ممكن تستغل وجودها على السوشيال ميديا عشان تخرج امكانياتها في التسافل على الاخريين بدون وجه حق ولا قدرة فعلية على الهجوم على الاشخاص في الواقع. هو مجرد احساس دفين بالضآلة بيخليهم يضخموا ذاتهم خلف ستار الشاشات، بشكل يعوضهم عن واقعهم القليل من وجهة نظرهم.
والحكاية دي مش مرتبطة بالغنى او الفقر ولا بالقوة او الضعف ولا بحداثة السن او كبره، اطلاقا النوع دا من الاضطراب موجود في صور مختلفة وبين فئات متعددة بشكل اصبح واضح خصوصا على المواقع. بنشوفه في المبالغات اللي بيظهرها البعض لشخصه الافتراضي على هيئة فرحته بمحبة الاخريين وبحثه الدؤوب عن هذه المحبة طول الوقت باساليب مصطنعة: مرة يشكر الناس على اهتمامهم بيه ومرة تطلع تقول للناس اد ايه هى مميزة بمحبة ربنا لها لدرجة ادعاء ان لهم كرمات مع ربنا لانهم اشخاص استثنائية وكل دا رغبة في زيادة الترافيك على حساباتهم حتى لو الحسابات دي مش على المواقع اللي بتجيب فلوس بعدد التفاعل، بس هى نفس الرغبة المذكورة في السابق (الرغبة في ادعاء شخصية متضخمة الأنا لا تمت لواقعها بصلة).
هتلاقي معظم اللي بيطلق عليهم مؤثرين على المواقع بيعانوا من هذه النوعية من الاضطرابات لدرجة وصلت مؤخرا لارتكاب جرائم بحثا عن الشهرة.
وانضمت لهم بعض من الشخصيات الاعلامية في مغازلة الغريب من اجل التريند حتى لو بالخروج عن حدود الذوق الاجتماعي والمنطق الانساني طلبا في لفت الانتباه واحداث تاثير ولو باهانة انفسهم.
كل دا بيساعد عليه سهولة الوصول لقلوب الاخريين من خلال السوشيال ميديا واستخدام اساليب التضخيم للاشياء. ونرجع نقول اتخدعنا في الشخصيات على النت.
الحقيقة ان احنا اللي بنوافق نخدع انفسنا لمًا بنتقبل مبالغاتهم في البداية وبنعتبرها شيء للتسلية ونتمادى في السخرية بدون الانتباه لمرضى محتاجين عزل من دايرة تركيزنا عشان منبقاش عايشين في سيرك!
كل مبالغة حضرتك قبلت بيها في طريقك من شخص ، سواء في الواقع او العالم الافتراضي هى تخلي من حضرتك عن المنطق وبمثابة موافقة لمزيد من الامعقول اللي لابد وهيصيبك بالاذي. لما بتقبل متابعة اشخاص بيبالغوا من حجم انفسهم باي صورة من الصور، انت بتقولهم كملو متتعالجوش، انا مسلم لكم قلبي ومتعاطف معاكم زي ما انتو كدة. بالتالي الشخص ليه ميكملش في تلقي هذا النوع من الدعم النفسي والمكاسب المادية ان وجدت؟
كمان ربنا ميز ناس عن ناس بالموهبة والقبول واداهم قدرة على الابداع والتأثير وساعدتهم السوشيال ميديا على الوصول لقلوب الناس لكن بدون اتباع فنون المغالبة والمبالغة والمزايدة على انفسهم! الناس دي هتبان ازاي لو احنا بنساهم في شهرة المزيفين على حسابهم؟
كلنا بني ادمين بامكانيات محدودة مهما كبرت وكلنا عندنا اخفاقات شخصية ودا طبيعة البشر، مش من الطبيعي اننا نصنع كيانات هلامية مؤذية لنفسها وللأخريين بتفاعلنا معاهم.
ونفتكر رواية أحدب نوتردام اللي فيكتور هوجو
كان بيتكلم فيها عن حالة التشوهات النفسية المنتشرة حاليا وبيقول:
“ان تعيش داخل جسد مشوه أفضل ألف مرة من حياتك داخل نفس مشوهة وكأنك جثة تمشي بين الناس”
اختار تتفاعل مع الناس اللي فعلا “ناس” مش الناس اللي عاملة نفسها “اناناس” وهى في الاصل مجرد “نسناس” بيتنطط بمختلف الاشكال عشان يسرق منك احترامك لعقلك وللطبيعة البشرية اللي كرمها ربنا.